الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
206
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وثالثة بالكبيرة و " اللمم " . والآن يجب أن نعرف ما هو الملاك والضابطة في تحديد الصغيرة والكبيرة . يذهب البعض إلى أن هذين الوصفين من الأمور النسبية ، تكون كل معصية بالنسبة إلى ما هو أكبر منها صغيرة ، وبالنسبة إلى ما هو أصغر منها كبيرة ( 1 ) . ولكن من الواضح أن هذا المعنى لا ينسجم مع ظاهر الآية الحاضرة ، لأن الآية الحاضرة تقسم الذنوب إلى صنفين مستقلين ، وتعتبرهما نوعين متقابلين ، وتعتبر الاجتناب عن صنف موجبا للعفو والتكفير عن الصنف الآخر . ولكننا إذا راجعنا المعنى اللغوي للكبيرة وجدنا أن الكبيرة هي كل معصية بالغة الأهمية من وجهة نظر الإسلام ، ويمكن أن تكون علامة تلك الأهمية أن القرآن لم يكتف بالنهي عنها فقط ، بل أردف ذلك بالتهديد بعذاب جهنم ، مثل قتل النفس والزنا وأكل الربا وأمثال ذلك ، ولهذا جاء في روايات أهل البيت ( عليهم السلام ) : " الكبائر التي أوجب الله عز وجل عليها النار " ، وقد روي مضمون هذا الحديث عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) والإمام الصادق ( عليه السلام ) ، والإمام علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) ( 2 ) . وعلى هذا الأساس تسهل معرفة المعاصي الكبيرة إذا أخذنا بنظر الاعتبار الضابطة المذكورة ، وما قد ذكر في بعض الروايات من أن عدد الكبائر سبع وفي بعضها عشرون وفي بعضها سبعون لا ينافي ما ذكرناه قبل قليل ، إذ أن بعض هذه الروايات يشير - في الحقيقة - إلى المعاصي الكبيرة من الدرجة الأولى ، وبعضها الآخر يشير إلى المعاصي الكبيرة من الدرجة الثانية ، وبعضها الثالث يشير إلى جميع الذنوب الكبيرة .
--> 1 - وقد نسب العلامة الطبرسي ( رحمه الله ) في مجمع البيان هذا الاعتقاد إلى علماء الشيعة في حين أن الأمر ليس كذلك ، فلكثير من علماء الشيعة رأي آخر سنأتي على ذكره بالتفصيل . 2 - نور الثقلين ، ج 1 ، ص 473 .